كثير من المسلمين اليوم لا يفهم أو لا يعرف جانباً مهماً من جوانب رسالة وشخصية نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ألا وهو جانب السياسة 
والحكم وتنظيم الدولة، فيظن الكثير من الواقعين تحت ضغوط كتابات المستشرقين وضغوط الفكر الغربي والفكر العلماني أن نبينا وقائدنا الكريم
محمد صلى الله عليه وسلم كان صاحب رسالة عقائدية وعبادية فقط، همّه العلاقة بين الإنسان وخالقه سبحانه وتعالى،
وبعضهم يزيد قليلاً فيضيف الجانب الأخلاقي والسلوكي إلى دعوة الرسول الكريم، ويجهل الكثير علاقة رسولنا الكريم ودعوته بشؤون تنظيم الحياة والمجتمع والدولة، ويُصوّر الكثير أن إنشاء الدولة الإسلامية ونظمها في المدينة المنورة وسن التشريعات وتنظيم الحياة فيها لم يكن ضمن رسالة نبينا الكريم ولا يجب علينا الاقتداء به في ذلك.
وهذا التصوير باطل وغير صحيح، فمحمد صلى الله عليه وسلم قدوتنا في كل شيء، فكما هو قدوتنا في العبادة والزهد فهو قدوتنا في السياسة والحكم، وكما هو قدوتنا في الرحمة وحسن الخلق فهو قدوتنا في تشريع النظم والجهاد، ورسالته الربانية المنزلة من عند الخبير الحكيم تشمل كل جوانب الحياة، وكما نظم العلاقة بين العبد وربه نظّم العلاقة بين الإنسان وبقية البشر وبين الإنسان والمجتمع.
فرسالته صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع نواحي الحياة لا كما يحاول بعضهم تصويرها قاصرة حفاظاً منهم على أهوائهم كي لا يضطروا للاقتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم القائم على الحق والعدل والتجرد والمساواة.
ويا ليت الحكام والسياسيين ودُعاة فصل الدولة عن الدين والأخلاق اقتدوا بهدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في السياسة والحكم وتنظيم الدولة، لما تدهور بنا الحال ووصلنا إلى ما صولنا إليه اليوم من التخلف والفشل في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية والقانونية والتعليمية.
أبرز سمات المنهج النبوي في السياسة والحكم :
- الحكمة والتدرج : فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم التعامل بحكمة وتقدير الأمور قدرها فلا تردد ولا خور ولا تهور ولا اندفاع، فحين كانت الدعوة في حال الاستضعاف اعتمد سياسة الصبر وعدم المصادمة ووسائل المعارضة السلمية ونبذ العنف، وكلما قويت الدعوة زاد استخدامه للقوة العادلة في نصرة الحق.
- تنوع الوسائل والأساليب : فلم يكن هديه صلى الله عليه وسلم جامداً على أسلوب واحد، فلم يكتف بالوسائل السلمية فقط، ولم يكن قاصراً على وسائل القوة والجهاد، بل تنوعت وسائله صلى الله عليه وسلم حسب الحاجة، فاستخدم المفاوضات وعقد الهدنة والمعاهدات واستخدم وسيلة المقاطعة وجاهد وقاتل مَن استحق القتال فاستخدم الوسيلة المناسبة للحالة المناسبة.
- الحفاظ على مصالح الأمة : فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم الحفاظ على مصالح الأمة وتقديمها على مصالحه الشخصية والأسرية والعشائرية والقومية بعكس ما يفعله حكام وسياسيوا اليوم من الجري وراء مصالحهم الشخصية والعض بالنواجذ على كراسي المسؤولية وجمع الأموال وخدمة الطائفة أو الحزب أو العشيرة ولو كان ذلك على حساب المصالح العُليا للوطن والأمة فقد توفي صلى الله عليه وسلم وهو مدين ودرعه مرهونة عند يهودي وخرج من الدنيا دون أن يورث شيئاً رغم ان الدنيا كلها كانت بين يديه.
- العدل والأمانة : فقد أسس صلى الله عليه وسلم نظام حكم يعتمد على العدل كأساس لنظام الحكم، فالجميع تحت المساءلة والمحاسبة مهما كان موقعه وواقع تحت القصاص ولو كان رئيس الدولة، وأن لا مُحاباة في اخذ الحق وإقامة العدل ولو على الأقرباء والوجهاء والمسؤولين وأطلقها مدوية صلى الله عليه وسلم بقوله: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، والسيرة النبوية تشهد على التطبيق الحرفي للشريعة والقوانين الإسلامية.
وهذان الأساسان هما التوجيه الرباني في قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) سورة النساء: 58 .
- التنظيم الدقيق : فهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي حرص على ان يربي أصحابه عليه هو الالتزام الدقيق بالنظام والتنظيم، وقد برز ذلك في تنظيمه صلى الله عليه وسلم لدعوته وتقسيم التنظيم ووضع النقباء عليه وتنظيمه الحياة في المدينة في كل جوانبها السياسية والاقتصادية والعبادية والعسكرية وربى أصحابه على تنظيم الوقت وتقديس الموعد والحرص على الوقت والالتزام بالوعد، كما رباهم على ضرورة العمل الجماعي المنظم والابتعاد عن الفردية والالتزام بالنظام ولو في الجزئيات، فأوصاهم بأن لا يُسافر ثلاثة إلا ويؤمروا أحدهم، فحوّل بهديه المجتمع البدوي العربي إلى مجتمع كالساعة في الدقة والتنظيم والالتزام.
| Comments |
|



